سودانيات يروين رحلة الهروب من جحيم الاستعباد الجنسي وقبضة الدعم السريع
لم يمضِ وقتٌ طويل على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوّات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023، حتى كانت معظم أحياء العاصمة الخرطوم قد سقطت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، بما فيها الحي الذي تسكنه مُنتهى* جنوب العاصمة .
في البداية، ظنّت مُنتهى أن ما يجري مجرّد حلقة جديدة في سلسلة الاضطرابات التي عرفها السودان خلال سنواته الأخيرة، وأن الجيش سيستعيد السيطرة سريعاً، لتعود الحياة إلى طبيعتها. لكنها لم تكن تدرك أن هذه الأحداث ليست سوى بداية لحرب طويلة ومفتوحة.
وسط القصف العشوائي، وانقطاع وسائل النقل، وإغلاق الطرق والجسور، باتت مغادرة المدينة غير ممكنة. وعلى عكس من تمكّنوا من الفرار في الأيام الأولى، بقيت مُنتهى محاصرة داخل الخرطوم، لتجد نفسها لاحقاً في مواجهة واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن تمر بها النساء في الحروب.
توثّق شهادات الناجيات اللائي تحدثن للفراتس جانباً من العنف الجنسي الذي تعرّضن له خلال الحرب، متمثلا في الاحتجاز والإجبار على الخدمة والاغتصاب المتكرر، في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وجدت بعض الناجيات بعد فرارهن من ذلك الجحيم ملاذاً مؤقتاً في مصر، لكنه يفتقر إلى الدعم الكافي. اضطرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين للأمم المتحدة تقليص خدماتها، بسبب أزمة التمويل المتفاقمة منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهام عمله رئيساً في 20 يناير 2025. يضاف إلى ذلك غياب المساندة الدولية للاجئين، خاصة الفئات الناجية من العنف الجنسي من نساء وأطفال.
****
"تسوّي لهم الأكل وتلبي لهم رغباتهم" — هكذا لخّصت مُنتهى، وهي سيدة في منتصف العمر، ما تعرضت له على يد مسلحين من قوات الدعم السريع. فمع بدايات الحرب، التي دخلت بالفعل عامَها الثالث، اقتحم ثلاثة مسلحين الشقة التي كانت تُقيم فيها مع نساء من أسرتها. تقول منتهى: "نحن بَراَنا (بمفردنا)، ما معانا زول". وقاموا باقتيادها إلى شقة في عمارة أخرى بالمنطقة نفسها، ضمن شقق استولوا عليها بعد أن تركها أصحابها ونزحوا، وظلوا طوال شهرين ونصف يتردّدون عليها، يأخذونها في عربتهم العسكرية، تحت تهديد السلاح، إلى تلك الشقة ثم يُعيدونها في اليوم التالي، يُجبرونها على خدمتهم، ويتناوبون على اغتصابها، بشكل فردي، كلما رغب أحدهم في ذلك.
مآب*، شابّة سودانية، لجأت إلى مصر بعد فرارها من الحرب في بلدها، رَوَت تجربة مماثلة. فقد كان عناصر مسلحون من قوات الدعم السريع يقتادونها من شقتها بحي قريب من جنوب الخرطوم إلى شقة آخرى بالعمارة نفسها، حيث كانت تُحتجز لساعات ثم تعود.
تُشكّل النساء والفتيات النسبة الكبرى من ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، وهو مصطلح تُعرّفه الأمم المتحدة بأنه يشمل: "الاغتصاب، والاستعباد الجنسي، والبغاء القسري، والحمل القسري، والإجهاض القسري، والتعقيم القسري، والزواج القسري، وأي شكل من أشكال العنف الجنسي ذي الخطورة المماثلة، الذي يُرتكب ضد النساء أو الرجال أو الفتيات أو الفِتيان، ويرتبط ارتباطاً مباشراً أو غير مباشر بنزاع مسلح". ويمكن أن يُمارَس هذا العنف أيضاً ضد المقاتلين من النساء والرجال، وضد الأطفال المجّندين قسراً ضمن الجماعات المسلحة.
ويمكن تتبّع جرائم العنف الجنسي عبر حروب وصراعات وقعت على مدار العقود الماضية في مناطق مختلفة من العالم، على سبيل المثال: أوروبا وآسيا خلال الحرب العالمية الثانية، البوسنة والهرسك، أمريكا الجنوبية، دول عربية كفلسطين والعراق واليمن وسوريا، وأفريقيّة كرواندا والكونغو الديقراطية، بما فيها السودان في فترات سابقة، مثلما حدث في دارفور التي اندلع الصراع فيها قبل أكثر من عقدين.
استُخدم العنف الجنسي على نطاق واسع في الصراعات المسلحة التي تلت الحرب العالمية الثانية. وسُجلت وقائع لاستخدام العنف الجنسي بدرجات متفاوتة الاتساع في الحرب الأمريكية في فيتنام، حين مارس أفرادٌ من القوات الأمريكية الاغتصاب والبغاء القسري ضد الفيتناميات. وفي الصراع الأهلي الكمبودي، عرّض الحزب الشيوعي المسمى "الخمير الحمر" نساء كمبوديا للاغتصاب والزواج القسري إبان فترة حكم الحزب بين سنتَي 1975 و1979. ثم عادت الانتهاكات الجنسية لتظهر ممنهجة أثناء حروب الإبادة اليوغوسلافية (صربيا ضد البوسنة والهرسك ثم ضد كوسوفو) في تسعينيات القرن الماضي. كذلك في الحرب الأمريكية البريطانية في العراق سنة 2003 حين ظهرت وقائع عديدة لاستخدام العنف والإذلال الجنسي. ومن أشهرها واقعة "الاغتصاب والقتل في المحمودية"، كما تسميها السجلات القضائية الأمريكية، ثم ما كشفته تسريبات سجن أبو غريب التي أظهرت وقائع الانتهاك والإذلال الجنسي للرجال. وقد لجأ الجيش الإسرائيلي للنهج نفسه ضد رجال قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر 2023.
وفي النصف الثاني من القرن الماضي، ومع اندلاع العديد من الصراعات الأهلية المسلحة في دول متعددة في إفريقيا، باتت القارة إحدى أبرز ساحات استخدام العنف الجنسي. سواء من المجموعات الحاكمة، مثل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا أو مجموعات الجنجويد المسلحة التابعة للرئيس السوداني السابق عمر البشير في دارفور، أو على يد فئاتٍ مسلحةٍ متمرّدةٍ كما في سيراليون. استخدمت الأنظمة الحاكمة والمجموعات المسلحة في الحالات المذكورة آنفاً العنفَ الجنسي لمكافأة مقاتليهم، وكذلك في ملاحقة السكان ومعاقبتهم.
برز ذلك في السودان، سواء أثناء الصراع الأهلي الذي انتهى بانفصال جنوب السودان في 2011، أو في ما ارتكبته مجموعات الجنجويد المسلحة نفسها (التي تحولت بعد ذلك إلى جناحٍ عسكريٍّ رسميٍّ حمل اسم قوات الدعم السريع)، أثناء حرب الإبادة – كما صنّفتها الأمم المتحدة – في منطقة دارفور. واستُخدم العنف الجنسي كذلك، وإن بدرجات أقل، في الصراعات الأهلية المشتعلة بين نظام البشير وفصائل سودانية معارضة في جنوب كردفان وجبال النوبة.
***
في 19 يونيو سنة 2015، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذلك التاريخ يوماً سنوياً للتوعية ضد استخدام العنف الجنسي في الصراعات. ومنذ ذلك التاريخ وطوال عشر سنوات، ظلت صور النساء من دول شرق إفريقيا تستحوذ على غالبية بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان الصادرة في ذلك اليوم. وكانت نساء السودان محوراً لهذه البيانات. فقد كنّ يتعرضن للعنف الجنسي، المرتبط بالحروب، منذ العقد الثاني من حكم البشير الذي امتد نحو ثلاثين عاماً انتهت بعد ثورة شعبية في 2019، استخدمت القوات الموالية له العنف الجنسي في مواجهة المظاهرات والاعتصامات السلمية المحتجة على استمرار حكمه.
وثّقت الأمم المتحدة في عهد البشير استخدامَ العنف الجنسي ضمن عدة آليات اتبعها البشير في مواجهة معارضيه أو القبائل والعرقيات التي تحوي أماكن تمركزها ثرواتٍ كبيرة. ومن أبرز تلك الحالات ما فعلته قوات الدعم السريع من انتهاكات في دارفور غرب السودان. فقد وجّه المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية سنة 2008 اتهامات للبشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية، وجميعها يندرج تحتها العنف الجنسي وفق القانون الدولي.
كانت السودان وسط تلك الجرائم ساحةً لتطوير الأمم المتحدة آليات عمل تستهدف مساعدة الناجيات والناجين من جرائم العنف الجنسي. وذلك بالتدخل الميداني عبر العيادات والمستشفيات الميدانية وفرق العمل المباشرة في أماكن ارتكاب الإبادة وجرائم الحرب. ومنح أدويةٍ فورية تساعد على الحد من انتشار الأمراض المنقولة جنسياً وخصوصاً الإيدز. إضافة إلى خدمات الحوامل قسراً والمجهضات قسراً وخدمات التدخل الجراحي في حالات الانتهاكات الجنسية العنيفة التي تسبب تهتكات عنيفة خصوصاً في حالات اغتصاب الأطفال. ووضعت الأمم المتحدة دليلاً للتعامل مع تلك الجرائم في كُتيب أصدرته للفرق الميدانية يحوي توجيهات التدخل والمساعدة في حالات العنف الجنسي.
بناء على تلك الخبرات الميدانية في السودان وشرق إفريقيا، شكلت الأمم المتحدة سنة 2007 فريق العمل الميداني "يو إن آكشن أجينست سيكشوال فيولنس" أي فريق تحرك الأمم المتحدة ضد العنف الجنسي. وتُظهر الصورة المنشورة مع بيان الإطلاق على موقع الأمم المتحدة كيف أن جريمة العنف الجنسي حالياً تكاد أن تكون إفريقية، مع أنها تُرتَكب في ساحاتٍ أخرى.
لمجموعة العمل المشكّلة ثلاث مهام. أولها منع انتهاكات العنف الجنسي، وثانيها تعزيز المساءلة بملاحقة مرتكبي جرائم العنف الجنسي ومحاسبتهم، عبر آليات القوانين المحلية والقانون الدولي، والمهمة الثالثة مساعدة ضحايا العنف الجنسي وتغطية احتياجاتهم. وهذه المهمة تكون ملحة في أوقات الحروب والصراعات كما في الحالة السودانية. لكن الشهادات التي حصلت عليها الفراتس تُثبت أن الأمم المتحدة، والدول المنضمة إليها المسئولة عن تطبيق آلياتها، لا تطبقها على نحوٍ كاف وهناك من لا يطبقها في الصراع السوداني الجاري.
***
وثّقت تقارير إعلامية وحقوقية دولية ارتكاب جرائم عنف جنسي على نطاق واسع منذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وقد نُسب معظمها إلى قوات الدعم السريع والمجموعات المتحالفة معها، بحسب تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق حول السودان الصادر في أكتوبر 2024.
وقالت البعثة الأممية في تقريرها إن قوات الدعم السريع السودانية "مسئولة عن ارتكاب عنف جنسي على نطاق واسع في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك عمليات اغتصاب جماعي واختطاف واحتجاز الضحايا في ظروف ترقى إلى مستوى الاستعباد الجنسي". بالتحديد في الخرطوم الكبرى وولايتي دارفور والجزيرة، بهدف إرهاب مدنيين ومعاقبتهم بسبب صلاتهم المزعومة بالطرف الآخر، وقمع أي معارضة لتقدّم هذه القوات. كذلك "ارتُكبت جرائم اغتصاب وعنف جنسي ضد النساء والفتيات لأسباب انتهازية، في سياق إفلات من العقاب، ومناطق حضرية شديدة التسليح، ونزوح جماعي ومتكرر للسكان، حيث تواجه المجتمعات التي تزداد فقرا انعداما حادا في الأمن الغذائي وغياب الخدمات الأساسية في معظم أنحاء البلاد".
ونُسبت معظم من حالات الاغتصاب والعنف الجنسي التي وثقتها البعثة إلى "رجال يرتدون زي قوات الدعم السريع، وفي سياق دارفور إلى رجال مسلحين متحالفين مع قوات الدعم السريع -الجنجويد- يرتدون الزي التقليدي ووشاحا ملفوفا حول رءوسهم يُخفي معظم ملامح وجوههم مما يجعل من الصعب على الضحايا التعرف عليهم". في حين وثقت البعثة بعض الحالات المنسوبة إلى "القوات المسلحة السودانية بما في ذلك الاستخبارات العسكرية التابعة لها".
***
تُعدّ قوات الدعم السريع، أحد طرفي النزاع الحالي في السودان، امتدادًا لميليشيات الجنجويد ذات الغالبية العربية، التي استعانت بها حكومة الرئيس السابق عمر البشير مطلع الألفية الثانية لقمع حركات التمرّد المسلحة في إقليم دارفور. وكانت تلك الحركات، مثل "جيش تحرير السودان" و"حركة العدل والمساواة"، قد طالبت بتوزيع أكثر عدالة للسلطة والثروة، ويمثّل مقاتلوها وقادتها غالباً المكونات غير العربية في الإقليم، كقبائل الفور والزغاوة والمساليت. وردّت الحكومة بتسليح الجنجويد، ممّا أسفر عن صراع دامٍ اتّسم بعنف عِرقي واسع، واتُّهمت فيه الحكومة السودانية والميليشيات المتحالفة معها بارتكاب جرائم ضد المدنيين، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي والقتل وحرق القرى.
وفي سنة 2013، أسّس البشير رسميًا قوات الدعم السريع بمرسوم رئاسي، وعيّن محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي"، قائدًا لها. وقد كانت هذه القوات في البداية تتبع جهاز الأمن والمخابرات الوطني، قبل أن يصدر البرلمان السوداني قانوناً في 2017 ينص على أنها "قوات عسكرية قومية التكوين، تدعم وتُعاون القوات المسلحة"، لتنتقل تبعيتها إلى الجيش السوداني.
حميدتي، الذي ينحدر من قبيلة الرزيقات العربية في دارفور، ترك تعليمه المدرسي، وبدأ حياته تاجر إبل، وتدرّج في صفوف الجنجويد حتى أصبح من أبرز قادتها، ثم توسعت سلطاته في عهد البشير، الذي قرّبه إليه لضمان الولاء ودرء مخاطر الانقلابات، لكنه انقلب عليه لاحقًا في أبريل 2019، بعد انتفاضة شعبية أطاحت بالرئيس.
اتُّهمت قوات الدعم السريع، إلى جانب وحدات من الجيش والشرطة، بالتورط في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم في يونيو 2019، التي قُتل خلالها العشرات وتعرّضت نساء وفتيات لجرائم اغتصاب، وهي وقائع لم يُحاسب مرتكبوها حتى اليوم، مع تعثّر عمل اللجنة المستقلة المعنية بالتحقيق.
خلال المرحلة الانتقالية، شغل حميدتي منصب نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، ولاحقاً، بعد انقلاب 2021، أصبح نائب رئيس مجلس السيادة. وفي ظل محاولات دمج الدعم السريع في القوات المسلحة ضمن إصلاحات أمنية شاملة، تصاعد التوتر بين حميدتي والجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، لينفجر النزاع المسلح في أبريل 2023، ويغرق السودان في حرب مدمرة، يدفع السودانيون ثمنَها الباهظ، بعد تطلُّعات أُجهضت للانتقال لحكم مدني وللتنمية والديمقراطية، عقب الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في أواخر 2018.
وقد سيطر حميدتي على مناجم ذهب استراتيجية في دارفور، عزّزت نفوذ قواته ومكّنته من تمويلها. وتشير تقارير دولية إلى تلقي الدعم السريع أسلحة وأموالاً من الخارج، وبالتحديد من دولة الإمارات، رغم نفي الأخيرة ذلك رسمياً. يكشف تقرير منظمة العفو الدولية المنشور في مايو 2025 عن شراء الإمارات أسلحةً صينيةً لصالح قوات الدعم السريع، رغم حث خبراء الأمم المتحدة على حظر تسليح الميليشيا السودانية.
***
منذ الحرب، تغيّرت ملامح المنطقة التي تقطن بها مُنتهى وأفراد أسرتها، تحولت إلى مكان مقطوع، لا ناس يمرون به ولا سيارات، بخلاف العربة العسكرية لهؤلاء المسلحين المتردّدين عليهن بانتظام. لا اتصالات، الكهرباء تنقطع لأيّام طوال وتأتي لأيام قليلة ثم تعاود الانقطاع. في الليل صمت مُطبق، إلا من صوت السلاح، يصلهن من مسافات قريبة وبعيدة "الليل كله شغالين ضرب نار.. حتى بيضربوا في الجو بس للتخويف.. ما فيه إضاءة ما فيه ناس غير صوت السلاح ما فيه شي". تقول منتهى.
تروي "مُنتهى" المزيد من التفاصيل: هناك (في الشقّة التي تُقتاد إليها) اللي يقولوه ليكي تعمليه، تعمليه ليهم، دايرين أكل، نضافة.. وتلبي لهم رغباتهم (الجنسية).. يقول لك نضّفي الشقة وسوّي لنا أكل..". وعندما يغادر المقاتلون، كانوا يُغلقون باب العمارة على "مُنتهى" وقريباتها "بيحبسوكي عشان ما تطلعي. نحن من الخوف ما بنطلع اللي يقولوه لينا نسمع كلامهم.. ما عندنا طريق غيرهم".
كنّ "في حالة هستيرية" ولكن لم يكن أمامهن خيار، فالوضع الميداني يجعل الخروج خروجاً للموت. وقد أخبرهن المقاتلون بأنهم سيؤمّنون لهن طريقاً للخروج عندما يهدأ الوضع "بس اسمعوا كلامنا". ووجدت نفسها مضطرةً للرضوخ.
كان المسلحون يصعدون إليهن، يسألون عن حالهن واحتياجاتهن، ويُحضرون مواد غذائية بكميّات كبيرة، لهم ولهنّ، تقول "مُنتهى" إنهم كانوا ينهبونها من المِحال. ويطلبون أن تعد لهم وجبات معينة، "أكتر حاجة مركّزين عليها الأكل.. ما فيه محلّ ياكلوا فيه.. مرّات يجيبوا غَنَم سالخينها" لتطبخها ثم يأخذونها في أوانٍ كبيرة في عرباتهم، "اهتمامهم بالأكل أكتر من الحاجات دي (الجنس).. الاعتداءات الجنسية كانت في الأول بس، تاني ما يقولوا عايزين يمارسوا معاكي.. عايزين أكل بس".
بعد شهرين ونصف تقريبا، انقطع المسلحون فجأة عن المجيء، بينما ظلّت النسوة رهن الاحتجاز، بعد أن أغلق المسلحون باب العمارة في المرة الأخيرة التي حضروا فيها، كما يفعلون في كلّ مرة. تقول منتهى إنها لم تعرف على وجه التحديد سبب انقطاعهم، ربما قُتلوا في الحرب أو أرسلهم قائدهم إلى مكان آخر، أو عادوا بما نهبوه من ذهب مثلا لأهلهم في مناطقهم.. "ما معروف مصيرهم".
وعن أوصاف هؤلاء المعتدين، تقول "مُنتهى" إن أكبرهم لا يُكمل ثلاثين عاماً ويبدو أنه قائدهم، والآخران في العشرين وأقل. وإن اثنين منهم من دارفور، والثالث ليس سودانياً وترجّح أنه من تشاد، حيث لا يتحدث العربية، بينما يتحدثها الآخران بلهجة مختلفة عن لهجتها. ومن حديثهم معها "خلاص ما تتكلم.. اسكت.. امشي امشي شي.. اقعد.. يلا يلا يلا".
وقد أشارت تقارير صحفية إلى وجود مرتزقة يقاتلون مع الدعم السريع، من تشاد ومالي والنيجر وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيا، حيث يُغرى هؤلاء ويُستقطبون للانضمام اعتمادا على صلات عائلية وقبلية بقائد الدعم السريع حميدتي، أو بالأموال التي يجنيها من مناجم الذهب التي سيطر عليها في دارفور.
وفي حديث مع سندس* وهي سيدة سودانية شابّة التقيتُها في القاهرة، قالت إنها نجت من الاغتصاب على يد أفراد من الدعم السريع "بمعجزة" كما تصف. وذلك حين أُوقفت العربة التي كانت تركبها مع آخرين في أحد ارتكازات الدعم السريع خلال رحلة نزوح من ولاية الجزيرة إلى ولاية سنّار نهاية سنة 2023. "عادة يُؤمر الرجال بالنزول ويُفتّشون، وبالنسبة لي كنت أغطي معظم وجهي بالحجاب الذي أضعه على رأسي، وذلك خوفا من أن أكون مطمعا لهؤلاء كما حدث مع صديقة لي تعرّضت للاغتصاب عندما اقتحم أفراد من الدعم السريع منزلها واغتصبوها أمام أفراد أسرتها"، تُكمل: "استفزهم تغطيتي لوجهي وأمرني اثنان منهما، بملامح أفريقية ويتحدثان الفرنسية، بالنزول من العربة واتهماني بأني من استخبارات الجيش، واقتاداني والسلاح في ظهري باتجاه عشّة من القش كانت تبدو من بعيد، كنت أؤكد لهم كي أنجو أني مؤيدة للدعم السريع وضد الجيش وأدعو لهم بالنصر، توسلت إليهما بتقبيل الأحذية كي يتركاني بينما كنت أراهما من أسفل يتبادلان الضحكات.. وصلتُ لحالة من اليأس من نجاتي وكل تفكيري في أطفالي الذين تركتُهم في العربة.. ما أنقذني قدوم رجل برتبة أعلى وهو رزيقي (أي ينتمي لقبيلة الرزيقات الممتدة عبر السودان وتشاد) وأمرهما بإطلاق سراحي ساخرا من اتهامهما إياي بالانتماء لاستخبارات الجيش.. طلعت حافية وشالوا الطرحة بتاعتي". وتضيف أنه كان ضمنهم عسكري "يمني" كما تُرجّح هي جنسيتَه من هيئته.
تُكمل "مُنتهى" أن هؤلاء المقاتلين غير متعلمين، لم يدخلوا مدارس بل عاشوا في مناطق رعوية، يتعاطون الحبوب المخدّرة، ويشربون الخمور. فبينما هي تقف في المطبخ لإعداد الطعام لهم في الشقة التي يقتادونها إليها، يفترشون هم الصالة يوزّعون على بعضهم هذه الحبوب، كما كانت تجد عند تنظيف الأكواب -ضمن ما تنظّف من مخّلفاتهم- بقايا الخمر الذي شربوه. "حتى لما ييجوا يتكلموا معاكي تحسّيهم ما في وعيهم".
وهم لا يعتبرون ولا يشعرون أن ما يفعلونه خطأ، "هم شايفين إن ده عادي ما شايفين نفسهم غلطانين.. ما مكسوفين ما خايفين.. الواحد لما ييجي داخل عليكي تحسّي داخل بيته وإنه يملكك.. إنتِ اللي بتكوني مكسوفة منه.. هو ما مكسوف.. تحسّي إن عينك مكسورة لكن هو يبصّ جوّه عينك ما بيختشوا.. دول حيوانات بس".
***
ما روته منتهى عن احتجازها واغتصابها وإجبارها على الخدمة، خاصة مع استخدامها تعبير "يملكك" لتصف ما عاشته، يمكن أن يُشير إلى جريمة "الاستعباد الجنسي"، وهي إحدى صور العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات.
وحسب المحكمة الجنائية الدولية، تقع جريمة الاستعباد الجنسي عندما يمارس مرتكب الجريمة أياً من أو كل السلطات المرتبطة بحق الملكيّة على شخص أو أكثر، كشراء أو بيع أو إقراض أو مقايضة هذا الشخص أو هؤلاء الأشخاص، أو فرض حرمان مماثل من الحرية عليه أو عليهم. وأن يتسبب الجاني في دفع هذا الشخص أو هؤلاء الأشخاص إلى القيام بعمل واحد أو أكثر من الأعمال ذات الطبيعة الجنسية.
وقد رصدت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق حول السودان، في تقريرها المفصل الصادر في أكتوبر 2024، حالات لنساء وفتيات تعرضن لاختطاف من الشارع واحتجاز لفترات متفاوتة في منزل أو مكان معزول نُقلن إليه في عربات، على يد قوات من الدعم السريع. وتضمنت هذه الحالات اغتصاباً متكرراً، وأحياناً جماعياً، خلال فترة الاحتجاز، مع سوء المعاملة والضرب والتهديد بالقتل، وذلك في دارفور والخرطوم. ووفقاً للتقرير، فقد "شكّل اختطاف النساء والفتيات واحتجازهن لأغراض جنسية، بما في ذلك الاغتصاب والاستغلال الجنسي، ظروفاً مارست فيها قوات الدعم السريع سلطة التملّك على الضحايا - اللاتي حُرمن من حريتهن أيضًا - وهي أعمال ترقى إلى جريمة الاسترقاق الجنسي المحظورة بموجب القانون الدولي".
سُليمَى إسحق، المفوّضة العامة لمفوضية مكافحة العنف ضد المرأة والطفل التابعة للحكومة السودانية، أفادت في حديثها من بورتسودان بتسجيل 134 حالة استرقاق جنسي في مناطق متفرقة من البلاد منذ اندلاع الحرب حتى مطلع مارس 2025، جرت على يد قوات الدعم السريع، وتتضمن هذه الحالات اختطاف الضحايا واحتجازهن بغرض الخدمة القسرية والاغتصاب المتكرر، في معسكرات، أو منازل مهجورة في الخرطوم، أو في فنادق خلت من نزلائها بعد الحرب، مثل حادثة فندق الضمان في نيالا بولاية جنوب دارفور في صيف 2023 حيث احتُجزت لأيّام مجموعة من النساء بينهن طفلة في الثانية عشر وعدد من المسنات، من نازحات معسكر عُطاش، بعد اختطافهن وهن في طريقهن للعمل، من قِبَل أفراد من قوات الدعم السريع. في بعض الحالات في منطقة بحري، كان أفراد من هذه القوات يقيمون بالإكراه في منازل الضحايا أنفسهن، وغالبا ما يكنّ نساء بمفردهن، وفقا لسُليمى.
وتضيف إسحق أن إجمالي حالات الاغتصاب المسجلة لدى المفوضية منذ بدء الحرب وحتى التاريخ نفسه بلغ 1138 حالة. معظم هذه الحالات كانت في ولايات الخرطوم ودارفور والجزيرة. تراوحت أعمار معظم الضحايا بين 14 وأقل من 40 عامًا، وكثير منهن مراهقات. وعن آلية التوثيق أوضحت سُليمى أن الحالات التي تُسجلها المفوضية تكون عبر الجهات الصحية بما في ذلك خدمات الدعم النفسي التي تتوجه لها الضحايا، وأن العدد المسجل ليس سوى جزء من حالات الاغتصاب الفعلية، فهناك ضحايا يُحجمن عن الإبلاغ، أو لا يستطعن الوصول للخدمات الصحية لغيابها عن المناطق التي يوجدن فيها، أو لصعوبة الخروج في مناطقهن بسبب المخاطر الأمنية.
وحسب إسحق فإنه من بين 1138 حالة اغتصاب مسجلة حتى مطلع مارس 2025، هناك ما لا يقل عن 193 حالة لفتيات دون سن 18، أصغرهن طفلة عمرها ست سنوات، إضافة إلى حالات لنساء مسنات، بينهن ضحية تبلغ 85 عامًا. ووصفت الأثر النفسي على النساء الكبيرات في السن بأنه بالغ القسوة.
ووفق بيان لمنظمة اليونيسف في مارس 2025، وُثِّقت 221 حالة اغتصاب لأطفال منذ بداية سنة 2024، نحو ثلثهم من الذكور، بينهم 16 طفلاً دون سن الخامسة، وأربعة في عامهم الأول.
***
عادة ما تعاني ضحايا الاغتصاب من آثار صحية طويلة الأمد، ويكنّ في حاجة ماسة وفورية للحصول على رعاية طبية ونفسية، إلا أنه في ظل الحرب، كان هناك صعوبات كبيرة أعاقت حصولهن على هذه الرعاية أو الأدوية اللازمة، بسبب تدمير أو نهب أو احتلال المرافق الطبية من قبل الأطراف المتحاربة، والهجوم على مقدّمي الرعاية، والقيود على الإمدادات الطبية، بالإضافة إلى حاجة الطواقم الطبية إلى التدريب والتأهيل، وقلة الموارد المخصصة من قبل الدولة، وضعف التنسيق بين الأجهزة الحكومية المعنية، وذلك وفقا لتقرير الأمم المتحدة، وللمفوضية السودانية. بالنسبة لمُنتهى ومآب فهما لم تتلقيا أية رعاية طبية داخل السودان، ولم تفكّرا في ذلك "أي حاجة دايرة فلوس.. أنا ببلوتي وساكتة.. ما دايرة أحكي لزول" تقول منتهى.
وحسب إفادات الضحايا الواردة في تقرير بعثة الأمم المتحدة، يشمل الآثار الصحية للاغتصاب عليهن: آلاماً مزمنة أسفل الظهر والبطن، كسوراً في العظام لتعرضهن للضرب قبل الاغتصاب أو أثناءه، صداعاً شديداً جراء ضربات عنيفة على رؤوسهن، التهابات نسائية أو بولية، آلام الدورة الشهرية، الإجهاض، صعوبة الحمل والإنجاب. وقد "تحدثت جميع النساء تقريباً عن نزيف مستمر في أعقاب الاغتصاب". وحسب المصادر الطبية فإن "التمزقات والكدمات المهبلية كانت الإصابات الأكثر شيوعاً". ويشير التقرير كذلك إلى أن الأطباء في الخرطوم، وفي مواجهة نقص الإمدادات الطبية، وضعوا بروتوكلا بديلا للإدارة السريرية لحالات الاغتصاب، وَفّر حماية للناجيات ضد الحمل وبعض الأمراض المنقولة جنسيا، لكنه لم يشمل الأدوية المضادة للفيروسات ضد فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) والتهاب الكبد الوبائي ب.
سُجلت أيضاً حالات وفاة جرّاء الاغتصاب. تقول سُليمى إسحق إنهم في المفوضية سجلوا حالتين: إحداهما في منطقة بحري لشابّة أصيبت بنزيف شديد، وبسبب المخاطر الأمنية في المنطقة لم تصل للمستشفى إلا في اليوم التالي مما فوّت فرصة إسعافها. والحالة الأخرى لامرأة من معسكر "كلمة" في نيالا بولاية جنوب دارفور، كانت مريضة وفي طريقها لتلقي رعاية طبية في مستشفى قريب، ولكنها تعرضت أثناء ذلك لاغتصاب جماعي أدى لوفاتها. بخلاف الحالات التي وثقتها منظمات أخرى.
***
تزداد الأعباء الجسدية والنفسية والاجتماعية على ضحية الاغتصاب وأسرتها عندما يؤدي إلى حمل وولادة، وذلك في حالة عدم تلقيها الرعاية الطبية اللازمة لمنع الحمل بعد فترة محددة من وقوع الاغتصاب، أو في حالة احتجازها لفترة طويلة وتكرار الاعتداء عليها، كما في حالة مآب التي اكتشفت حملها بعد فترة. الأطفال المولودون أيضاً يمكن أن يواجهوا عواقب تمتد على مدار حياتهم.
تقول سُليمى إن عدد النساء والفتيات الحوامل جرّاء الاغتصاب اللاتي جرت متابعتهن طبياً حتى الولادة بلغ 48 حالة، بينهن فتيات أقل من 18 عاماً، وفقا لأرقام المفوضية السودانية. وإنه بالنسبة للأطفال المولودين فإن الأم أو أسرتها، لا سيّما بالنسبة للضحايا صغيرات السن، يقررون ما إذا كانوا سوف يحتفظون بالطفل أم سيسلمونه لدور الرعاية الاجتماعية الموجودة في الولايات، إلى أن تتكفّل بهم أسر سودانية أخرى، وفقاً لنظام الكفالة الإسلامي.
نهاد صلاح، شابّة سودانية عملت متطوعةً في الهلال الأحمر السوداني خلال الحرب، وقبلها كانت متطوعة بالمقاومة الشعبية، وهي مجموعات شبابية نشطت خلال انتفاضة ديسمبر 2018 بغرض تنظيم وتنسيق الحراك الشعبي وتقديم بعض الخدمات للمواطنين في الأحياء. في الأشهر الأولى للحرب تطوّعت في مستشفى "النَّوْ" بأم دُرمان، حيث كان هناك -كما تقول- اعتماد كبير على المتطوعين لسد النقص في الكادر الطبي في ذلك الوقت. وقد عملت في أكثر من قسم بالمستشفى، منها صيدلية جهزها المتطوعون لتوفير الأدوية للمصابين والمرضى بالمجان.
تذكر نهاد بشكل خاص حالتين لضحايا اغتصاب مرّتا عليها بالمستشفى: الأولى كانت لطفلة في الثانية عشرة من عمرها تقريباً، كانت تقف بجوار والدتها، ضامّة يديها وتحني رأسها إلى أسفل، وقد اصطحبتها والدتها للمستشفى وكان أول ما حكته "بتّي خطفوها ناس ورجّعوها مِبَشْتِنينْها" وهي كلمة باللهجة السودانية فهمت منها نهاد أن الطفلة تعرضت للاغتصاب، وتقول نهاد إن المعتدين على الطفلة كانوا مدنيين وليسوا عسكريين.
الحالة الأخرى لشابتين حضرتا إلى الصيدلية لطلب أدوية إجهاض، حيث كانت إحداهما قد تعرّضت للاغتصاب على يد أحد أفراد قوات الدعم السريع أثناء خروجها لشراء بعض الاحتياجات، وكتمت الأمر عن أسرتها. لم يكن معهما روشتة طبية ضرورية لصرف هذه الأدوية، كما تحكي نهاد، "وجهناهما للمستشفى للحصول عليها أولاً، قبل أن نصرف لهما الدواء، بكميّة محددة، عندما حضرتا بالروشتة في يوم تال. كان يبدو عليهما الخجل والتوتر. وكانت الفتاة الضحية شاردة قليلة الكلام، تردّ بكلمات مقتضبة لا توصّل المعنى. حاولنا توجيههما لقسم العلاج النفسي لكنهما رفضتا، كان اهتمامهما منصبّاً على الحصول على دواء الإجهاض، خاصة أنهما كانتا على وشك مغادرة المدينة، واعتقاداً منهما أن الإجهاض من شأنه أن يُحسّن تلقائياً نفسية الفتاة".
إلى جانب المنظمات الدولية، توثّق منذ الأسابيع الأولى للحرب "وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل" في السودان (تحوّلت لاحقا لمفوضية) عبر صفحتها على فيسبوك ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، الذي يُسجَّل بوتيرة متصاعدة، رغم صعوبة التوثيق بسبب انهيار النظام الصحي، وانقطاع الاتصالات، وتدهور الأوضاع الأمنية، والمخاوف من الانتقام أو الوصم. وتشير الوحدة إلى استهداف لاجئات من إريتريا وإثيوبيا في مناطق مثل بحري وأم درمان من قبل قوات الدعم السريع.
وفي منشور صادر في مارس 2024، تحدثت الوحدة عن أنباء مؤكدة تفيد بتعرض فتيات، بينهن قاصرات، للاحتجاز والنقل من الخرطوم إلى دارفور، حيث يُعتقد أن بعضهن تعرضن للبيع، بينما أُطلق سراح أخريات وعُدن إلى أسرهن، التي امتنعت عن التصريح خوفاً من الانتقام.
التقرير الصادر عن بعثة الأمم المتحدة أشار إلى أن العنف الجنسي ضد النساء في السودان بصوره المتعددة "وقع في الغالب في سياق غزو المدن والبلدات، والهجمات على مواقع النزوح أو المدنيين الفارّين من المناطق المتضررة من النزاع، وخلال الاحتلال المطوّل للمناطق الحضرية". كما كان هناك ضحايا من الرجال أو الفِتيان خاصة خلال فترة اعتقالهم، وإن كانت نسبة الإبلاغ بينهم أقلّ بكثير. ووفقا لإفادات الضحايا والشهود التي يوردها التقرير فإن "الجناة هدّدوهن بالأسلحة، بما في ذلك الأسلحة النارية والسكاكين والسياط لتخويفهن وإكراههن. وكثيرا ما تعرّضت الضحايا لأشكال أخرى من العنف، مثل اللكم والضرب بالعصا والجَلد، قبل الاغتصاب وأثناءه، لردعهن عن المقاومة أو معاقبتهن على المقاومة". مع استخدام واسع المدى للشتائم العنصرية خلال حوادث العنف الجنسي، كالإشارة إلى عِرق معين (غير عربي) أو لون بشرة داكن (زُرْقَة، نوبة)، وللأوصاف المُهينة أو الجنسية.
ويذكر التقرير وقوع حالات اغتصاب في منازل الضحايا، وأمام أفراد أسرهن، الذين تعرضوا بدورهم للتهديد أو الاعتداء. وقد أفادت إحدى الضحايا من جنوب دارفور بتعرضها للاغتصاب "أثناء محاولتها منع اغتصاب ابنتها القاصر، خلال اقتحام قوات الدعم السريع لمنزلها، بحضور أطفالها المتبقين".
ويشير التقرير كذلك إلى "معلومات موثوقة حول تزايد عدد حالات الزواج القسري للفتيات والنساء من أفراد قوات الدعم السريع حيث يُسلّم الآباء بناتهم مقابل تعويض مالي أو تحت التهديد" وإلى "تزايد خطر لجوء النساء والفتيات إلى ممارسة الجنس من أجل البقاء للحصول على الغذاء أو المساعدة الإنسانية في سياق انعدام الأمن الغذائي الحاد".
تقول سُليمى إسحق إن العنف الجنسي الذي ترتكبه قوات الدعم السريع، التي تعتمد في أغلب تكوينها على قبائل درافور العربية، يستهدف في دارفور النساء المنتميات إلى قبائل إفريقية، أما في الخرطوم والجزيرة، فيستهدف الشماليات أو نساء المركز، في مقابل الهامش/دارفور، باعتبارهن نساء "منفتحات"، أو ذوات نظرة "عنصرية" أو "استعلائية" تجاه غير الشماليين، أو أبناء المناطق المُهمّشة كدارفور.
وتشير إلى أن معظم الحالات المرصودة وقعت على يد قوات الدعم السريع، بينما وقعت نسبة ضئيلة على يد أفراد من الجيش السوداني، أو مدنيين استغلوا حالة الحرب وانتشار السلاح. وأكدت إحالة بعض أفراد الجيش إلى التحقيق بعد تقديم بلاغات ضدهم ورفع الحصانة عنهم، أما بالنسبة لأفراد الدعم السريع فهؤلاء كما تقول يسهل إفلاتهم من العقاب، لصعوبة تحديد هوياتهم والوصول إليهم، في واقع حرب فوضوي في الكثير من المناطق، ولارتكابهم هذه الجرائم بتوجيهات من قادتهم، وذلك -حسب تفسيرها- نظرا لتكرارها بالنمط نفسه على اختلاف المناطق، أي أنها ليست فردية أو عشوائية. كل هذا يعيق جهود الملاحقة القانونية، حتى عندما تُقدَّم بلاغات من الضحايا أو ذويهن، وفقا لقولها.
تنفي قوات الدعم السريع الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب جرائم عنف جنسي، واصفة إياها بأنها "مزاعم مُسيّسة". ففي يناير الماضي، ردّ الناطق الرسمي باسم القوات على تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" بوصفه "عملاً دعائياً يخدم أجندة ميليشيا البرهان وحلفائها" ، وأكد أن التقرير يفتقر إلى المهنية في التقصي، وأن قوات الدعم السريع تسيطر على نحو 70 بالمئة من أراضي السودان (قبل أن يستعيد الجيش السوداني أجزاء واسعة منها لاحقاً ولا سيما في الخرطوم)، "ولم يظهر أنها استعبدت نساء في مواقع سيطرتها وفي مقدمتها العاصمة الخرطوم"، وأكد كذلك التزام قواته بالقوانين التي تجرّم الانتهاكات، واستعدادها للتعاون مع لجان تقصٍّ محايدة ، وفقا لتوجيهات القيادة التي – بحسب قوله – "ظلت تجري المراجعات، ولم تتردد في محاسبة أي فرد يتورط في سلوك خاطيء".
***
وفقاً للمصادر الأممية، يُستخدم العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات "كتكتيك حربي وإرهابي لتهجير السكان، وإحداث صدمة في المجتمعات المحلية، وتقويض الأخلاقيات والتماسك الأسري والثقافي والمجتمعي"، ويمتد تأثيره على الضحايا وأسرهم عبر الأجيال. ومن الناحية القانونية ووفقاً للقانون الدولي "حسب ملابسات الجريمة، يمكن أن يشكّل العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات جريمة حرب، أو جريمة ضد الإنسانية، أو فعل تعذيب، أو فعلاً من أفعال الإبادة الجماعية، بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية".
وغالباً ما يُرتكب العنف الجنسي بالتزامن مع أعمال عنف أخرى كالقتل والنهب وتدمير الممتلكات. ويكون الجناة في الغالب منتمين إلى جماعات مسلحة، حكومية أو غير حكومية، كالجيش، والشرطة، والميليشيات المحلية، والكيانات أو الشبكات الإرهابية، والمهرّبين، والمتاجرين بالبشر، وقد يكونون أيضا أفراداً محليين أو نازحين.
والقول إن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات يُستخدم سلاح حرب، يعني حسب ما توضح المصادر الأممية أيضاً أن جهات فاعلة في النزاع، حكومية أو غير حكومية، يمكن أن تستخدمه بصورة متعمّدة ومنهجية لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية. ويختلف نطاق وأساليب ودوافع ارتكاب هذا العنف باختلاف البيئات الحربية والجناة، وتشمل دوافعه وأغراضه: السيطرة على السكان، على إقليم، على الموارد الطبيعية، على الأرواح والقدرات الإنجابية لجماعات عرقية أو دينية مستهدفة، معاقبة المدنيين المشتبه في دعمهم للمعارضين، التطهير العرقي، إذلال الضحايا وتفكيك الأسر والمجتمعات وتدمير نسيجها الاجتماعي، الحصول على المعلومات، كحافز لإغراء وتجنيد المقاتلين، وتعزيز ولائهم وترابطهم داخل الجماعة، وقطع علاقاتهم بمجتمعاتهم الأصلية، وكذلك لتوليد الإيرادات وتوفير مصدر تمويل لعمليات الجماعة "من خلال بيع النساء والفتيات في الأسواق المفتوحة وجمع فدية من المجتمعات المتضررة". ومن شأن هذه الممارسات أن تؤجّج الصراعات وتقوّض جهود إنهائها.
إلا أن هذا التصوّر السائد عالمياً للعنف الجنسي خلال الحروب باعتباره "سلاح حرب" أو "استراتيجية واعية لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية" كان محلّ انتقاد من قبل بعض الباحثين، الذين رأوه اختزاليّاً، ولا يمكن تعميمه في جميع الحالات، ولا يعكس في أحيان كثيرة تعقيدات ساحة الحرب، ويعيق فهماً أوسع لـ"كيفية وأسباب وقوع العنف الجنسي في الحروب"، ومنهم من اهتم بدراسة الجناة أنفسهم لفهم دوافع العنف الجنسي لديهم. ويذهب هؤلاء الباحثون إلى أن العنف الجنسي المرتبط بالنزاع يختلف باختلاف البلدان، والنزاعات، والجهات الفاعلة فيها، وكذلك باختلاف أيديولوجية الجماعات المسلحة المنخرطة في النزاع، وتدريبها، والعلاقة مع المحيط المدني، وأنه ليس بالضرورة أن يكون العنف الجنسي في الحروب مخطّطاً، أو أن يحدث بأوامر القادة، حتى إن وقع على نطاق واسع، بل يمكن أن يعكس في بعض الحالات انهيار التسلسل الهرمي العسكري، وانعدام الانضباط، وافتقار القادة للسيطرة.
بالنسبة لمُنتهى، فإن ما يُقال لهؤلاء المعتدين: "اللي تلقاهو حلالك، غنايم: نسوان، دهب، بيت حلو تقعد فيه" بعد أن يُضطر أصحابه للفرار. وتُفسر دوافعهم لما فعلوه معها بالقول: ".. هم بيعملوا كده عشان المدة طويلة، هم عايزين نسوان وعايزين ياكلوا وعايزين يشربوا وعايزين تعملي لهم أكل تعملي لهم حاجاتهم كلها يعني خدّامة أي حاجة بس تلبّي لهم رغباتهم بس".
***
بعد انقطاع المسلحين المفاجيء عن المجيء، ظلت النسوة محتجزات لأسابيع أخرى في المبنى السكني، الذي أغلقه هؤلاء المسلحون في زيارتهم الأخيرة كما جرت العادة. وعشن طوال هذه الفترة اعتمادا على المواد الغذائية التي كان يُحضرها هؤلاء المسلحون بكميات كبيرة. وطال انتظارهن حتى أتيحت لهن فرصة للخروج.
تحقّق ذلك كما تحكي "منتهى" حين مرّت في الشارع عربة عسكرية تتبع الدعم السريع أيضا "لمّا سمعت صوت عربية ندهت عليهم من الشباك"، وأخبرتْهم أن ثمّة أناسا في المكان يريدون الخروج. تعتبرهم "ناس جابهم لينا ربّنا"، فشارعهم بعيد عن الشارع العمومي الذي تسير فيه السيارات عادة، ولم يكن يمر به أحد. لاحقا جاء هؤلاء إليهن ونادوا عليهن وطلبوا منهن الخروج بسرعة، وفتحوا باب العمارة المُغلق من الخارج بإطلاق الرصاص على القفل. ركبت النسوة معهم إلى حيث يتجمع الناس، الذين كانت المعاناة بادية عليهم كما تصف منتهى، للركوب ومغادرة الخرطوم إلى ولايات آمنة. ومن القليل من المال الذي تحمله، دفعت للسائق أجرة السفر.
من الخرطوم، بدأت رحلة النزوح التي قادت مُنتهى ورفيقاتها إلى ولايات أخرى، حتى وصلن في نهاية المطاف إلى مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، حيث تنطلق الرحلات باتجاه مصر. خلال التنقل، اضطررن أحياناً للسير على الأقدام لساعات، لمسافات تقدّر بما يعادل ساعتين بالعربة، بسبب غياب وسائل النقل أو عدم امتلاكهن المال. تقول منتهى: "على رجولنا، ما فيه عربات، ولو فيه عربية فلوس ما فيه".
لاحقا، تمكّنّ من تدبير تكلفة العبور إلى مصر، ليبدأن رحلة جديدة استمرت أيّاماً، كانت شاقة ومرهقة. وفي تنقلاتهن داخل البلاد، مررن بمناطق لم يعرفنها من قبل، وركبن وسيلة نقل متواضعة اخترنها لرخص أجرتها مقارنة بالمركبات الأكثر راحة التي اختارها مسافرون آخرون. وهي -كما يصفن- في أصلها شاحنة، جُهّزت داخليًا بكراسٍ حديدية وثُبّت لها سقف، لكن الصعود إليها والنزول منها كان مرهقاً بسبب ارتفاعها الكبير. استمر مسيرها ليومين ويكون المسير خلال النهار فقط، حيث تتوقف العربات من بعد العشاء لغياب الأمان، وممّا يُطيل الرحلة كذلك الإيقافات المتعددة للتفتيش سواء من قبل ارتكازات الدعم السريع أو الجيش، حيث يُطلب من الركاب إبراز جوازات السفر كما تفتّش حقائبهم ويُسألون عن مرافقيهم.
تقول مُنتهى إن أفراد الدعم السريع قد يطلبون رشاوى أو يسطون على بعض مقتنيات الركاب كالهواتف المحمولة. وإنها رأت في طريقها أشخاصا بقيود في أرجلِهم، تقول إنهم من السجناء الذين خرجوا بعد فتح السجون على يد قوات الدعم السريع، وجثثا منتفخة، ورجالا يُضربون بالسياط..
من عُطبرة ركبت النسوة باتجاه الحدود المصرية عربة "رُبع نقل" تصفها مُنتهى بالمتهالكة التي لا تحمل لوحات، وكان عدد الركاب بها 12 فردا. "تلاتة يوم مشينا في جبال ما ينتهوا"، حيث تمتليء المسافة الشاسعة بين السودان ومصر -كما تحكي- بسلاسل من الجبال "جبال عملاقة.. مُخيفة"، يتضاءل إزاءها حجم العربة وركّابها، ويتواصل بينها المسير نهارا وليلا.
في منتصف الطريق، تتوقف العربات السودانية بانتظار نظيرتها المصرية، التي يُستدل على قدومها من غبارها في الأفق، وقد تتأخر لتجنّب دوريات حرس الحدود المصري. عندها، ينتقل الركّاب إلى عربات مصرية من النوع نفسه تتكدّس فيها الأجساد، إذ يصل عدد الركّاب إلى 20 شخصًا، وكان السائق المصري يربطهم بالحبال، بحسب ما تروي منتهى: "اللي بيوقع من البوكس ما بيقفوا له"، مشيرة إلى أن كثيرين يلقون حتفهم في طريق العبور.
ومع طول الرحلة ونفاد المُؤن، بات الطعام يُباع بأسعار باهظة؛ طبق صغير من الفول مع بعض الأرغفة قد يكلّف مئات الجنيهات، ماء الشرب معبّأ في أوعية ضخمة بطعم البنزين.
تتوقف العربة قبل الوصول إلى أسوان، ليواصل المسافرون الطريق عبر ميكروباصات أو "تكاتك" بانتظارهم، لقاء أجرة إضافية مرتفعة. ومن ثمّ يُنقَل الركاب إلى الحافلات أو القطارات المتجهة إلى القاهرة. وأثناء مبيتهم وبقية المسافرين في أسوان في محل إقامة وفّره السائق، حضر رجل يعرض على الركّاب تحويل العملات وبيع شرائح هواتف مصرية دون أوراق هوية..
***
وصلت مآب إلى مصر بعد أن سلكت طريق النزوح نفسه الذي مرت به مُنتهى. وفور وصولهما، توجهت كل منهما إلى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين للتسجيل كطالبتي لجوء، لكن مع الازدحام الشديد لكثرة أعداد الراغبين في التسجيل، كانتا تضطران للمبيت في الشارع للّحاق بدور. تمكنّتا من التسجيل بالفعل إلا أن المفوضية، وبخلاف ما كانتا تتوقعان، حيث كانت الاستفادة من خدمات المفوضية سببا أساسيا للمجيء إلى مصر بالنسبة لهما، لم توفر لهما دعما ماديّا هما في أمسّ الحاجة إليه، ولا حتى مكانا للسكن، فلم يكن يتبقى مع كل واحدة منهما سوى قليل من المال.
وَضْعٌ أجبر مآب لاحقا للعودة إلى الشارع مع رضيعتها، بعدما عجزت عن توفير إيجار مسكن. وتوضح أن المفوضية لم توفر لها حينئذ سوى ثلاثة آلاف جنيه مصري (نحو 60 دولاراً)، وهو ما يغطي بالكاد إيجار شهر واحد، وأخبرها ممثلوها أن المفوضية لن تستطيع تقديم المزيد. "بيدّوا الفلوس بس وأنتِ تمشي تفتشي لك شقة.. المبلغ لا يكفي حتى لشهر، لأن الإيجار في مصر يتطلب دفع شهر إضافي مقدّما كتأمين".
لا تُعلن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر عن أرقام محددة لضحايا العنف الجنسي من بين اللاجئين واللاجئات الفارّين من الحرب في السودان، كما لا تتوفر أية معلومات حول أوضاعهن أو التحديات التي يواجهنها داخل البلاد. ووفق أرقام المفوضية الصادرة في أبريل 2025، بلغ عدد اللاجئين وملتمسي اللجوء المسجّلين أقل من مليون شخص، يشكّل السودانيون منهم نحو 700 ألف، فيما تُقدَّر نسبة النساء والأطفال بنحو ثلاثة أرباع إجمالي المسجلين من مختلف الجنسيات.
تقول كريستين بشاي، مسئولة المكتب الإعلامي للمفوضية بالقاهرة، إن أزمة التمويل الحادة التي تعاني منها المفوضية، وغيرها من المنظمات المعنيّة بدعم اللاجئين، أو العاملة في المجال الإنساني أو التنموي عموما، هي التي تجعلها غير قادرة على تقديم الدعم المطلوب، "منذ حرب السودان تضاعف العدد الإجمالي للاجئين المسجلين لدينا لثلاث مرات تقريبا، وفي المقابل لا أقول ظل التمويل كما هو، بل تناقص، هذا في ظل تضخم متزايد في مصر، وارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات". وإن حالات النساء ضحايا الاغتصاب أو اللائي أنجبن جراء الاغتصاب تمثل أولوية بالطبع لدى المفوضية: نقدم لهن من خلال شريكتنا منظمة "مصر الملجأ" (شريك تنفيذي مُمَوّل من المفوضية) الرعاية الطبية الخاصة بضحايا الاغتصاب لمنع الحمل والوقاية من الإصابة بأمراض كالإيدز، وذلك حال قدوم الضحية خلال 72 ساعة من وقوع الاغتصاب. الجدير بالذكر أن هذه الفترة الزمنية لا تنطبق عمليّاً في الغالب على اللاجئات السودانيات ضحايا الاغتصاب في الحرب، نظراً لوصولهن المتأخر إلى مصر بعد رحلة نزوح طويلة، وهي تشمل ضحايا الاغتصاب الموجودات في مصر بالفعل.
وتضيف بشاي أن خدمات المفوضية وشركائها تشمل كذلك تقديم الرعاية الطبية للحوامل عموما حتى الولادة، ودعم نفسي للضحايا من خلال منظمة "كير"، ومحل سكن مؤقت، إلى جانب المساعدة القانونية في استخراج شهادات ميلاد للأطفال المولودين من الجهات المختصة. لكن المفوضية كما تقول تظل غير قادرة على الاستمرار في دعمهن، بسبب عدم وجود تمويل كاف.
تواجه كلّ من مُنتهى ومآب عبئاً مالياً متزايداً حيث دفع الإيجار الشهري لمسكن متواضع، يصل إلى بضعة آلاف من الجنيهات، مع مطالبات متكررة من المالكين بزيادته. وإلى جانب ذلك، تتحملان كلفة المعيشة الأساسية، بما في ذلك احتياجات الرضيعة بالنسبة لمآب، مثل الحفاضات والحليب الصناعي، مما يجعلهما في حالة اعتماد مستمر على مساعدات فردية من بعض المتبرعين.
وتقول منتهى إنها كثيراً ما تراجع المنظمات طلبًا للدعم، لكن الرد غالباً ما يكون: "فتّشي شغل، ما نقدر نساعدك"، على حد قولها، في إشارة إلى عجز تلك الجهات عن تقديم الدعم المطلوب. ورغم محاولاتهما العثور على عمل، فإن ما تواجهانه من تدنٍ في الأجور، وساعات عمل طويلة، وأعمال مرهقة، بالإضافة إلى بُعد أماكن العمل وتكلفة المواصلات، يجعل من الاستمرار في أي وظيفة أمرًا غير مجدٍ.
عندما تشتدّ الحاجة، وتجد مآب نفسها عاجزة عن توفير احتياجات طفلتها، لا يكون أمامها خيار سوى الخروج إلى الشارع لطلب المساعدة من المارّة.
***
بعكس حديثي مع مُنتهى، كانت مآب تتجنّب الخوض في تفاصيل ما عاشته خلال فترة احتجازها، وفي المرّات التي كنت أحاول فيها أن أتطرق بالحديث معها إلى هذا الجانب، كانت تصمت وتظهر في عينيها الدموع.. تلك الدموع التي لم تخلُ منها كذلك عينا منتهى وهي تقصّ هذا الجانب من تجربتها.
البكاء، الشعور الدائم بالإعياء، الإصابة بالإغماء، الانطواء أو الانعزال.. هذا ما مرّت به مآب أثناء فترة الاحتجاز الطويل والاعتداء المتكرر. في مصر انتظمت عن طريق المفوضية في جلسات نفسية لدى مختص.
بالنسبة لمُنتهى التي بدت ظاهريا أكثر تماسكا، فإن الأرق، الكوابيس، الشعور بالخوف.. هو ما صارت تعانيه هنا. اعتادت على تناول حبوب منوّمة تشتريها من الصيدلية دون روشتة طبيب "برضه ما بانوم"، "أفكّر في اللي حصل واللي جاي".. "ورضينا الحمد لله بقسمة ربنا". يساعدها إيمانها على التجاوز "لمّا أي حاجة تحصل ليك ده قضاء الله وقدره.. ده امتحان من ربنا.. الواحد يرضى بقضاء الله وقدره".
تقول الطبيبة النفسية غادة صدّيق إن التعرض المتكرر للاغتصاب يكون أثره بطبيعة الحال أشدّ على نفسية الضحية، لأن الصدمة في هذه الحالة تكون مركّبة. ولكن يظل لدى الإنسان قدرة على التعافي مهما كانت قسوة التجربة، والأهم أن ترغب الضحية أو الناجية في ذلك. وتضيف أن الأمر يختلف من فتاة أو سيدة لأخرى حسب سماتها الشخصية، ودعم الأسرة أو المحيطين، هناك أفراد قدرتهم البيولوجية والنفسية على تحمل الألم أعلى منذ الولادة، وهذا لا يمنع أيضا من أن يمرّوا بانتكاسات أو يشعروا باليأس في بعض الأحيان، فهذه مشاعر طبيعية من الخطأ إنكارها أو اللوم عليها، وهناك أفراد آخرون يكونون أكثر حساسية تجاه الألم، ومن ثم يحتاجون إلى مساعدة أكبر من المختص النفسي ووقت أطول في العلاج والتعافي، الذي لا يكون له أبدا قالب واحد، فلكل شخص تجربته واحتياجه.
وتوضّح الطبيبة أن تعريف التعافي مرتبط بتعريفنا لما هو طبيعي وما هو مَرَضي، وهذا في علم النفس أمر نسبي ليس به خطوط حادة فاصلة أو أبيض وأسود. "في العلاج النفسي نعمل مع المريض كي يتعافى بمعنى ألا يظل حبيسا في تجارب الماضي وألمه. وحتى في هذا الإطار، من الطبيعي أن يحدث صعود وهبوط، تقدّم وانتكاس، ربما يستمر هذا طوال حياته، هذا ينطبق أيضا على جهدنا لتحسين سلوكياتنا وأنفسنا مثلا أو التخلص من عاداتنا السلبية. والمهم بالنسبة للناجية أن تستطيع إكمال حياتها، وتكوين علاقات، والإقبال على الحياة أو الاستمتاع بمباهجها، ويكون لديها الرغبة في الإنجاز فيها، حتى إن تبقّى داخلها أثر أو ألم من التجربة التي مرت بها".
وتشير الطبيبة النفسية إلى أن الجانب الإيماني يمكن بالفعل أن يكون نقطة قوة لدى الناجية تساعدها على التعافي، لأنه يقلل من الشعور بالعبثية الذي تؤدي إليه الصدمة، ويكون لديها اقتناع أن الظلم الذي تعرضت له ليس نهاية القصة، بل هناك امتداد من خلال فكرة الجزاء الأخروي، ويشمل هذا المطالبة بالحق، ولكن إن لم تستطع أخذ حقها في الدنيا، فهي تعلم أن الأمور لم تنته عند هذا الحد. وهذا يمكن أن يقيها من الانهيار، ويساعدها في استكمال حياتها والنجاح فيها.
***
ماذا عن التعويض أو عقاب الجناة؟ تقول منتهى إن لا شيء أبدا يمكن أن يُشعرها بالتعويض، ولا عقاب يمكن أن يشفي غليلها "يعوّضوا شنو؟!.. لو قالوا لي كُبِّي عليهم بنزين وولّعي فيهم باشوفه قليّل.. لو بانوا لنا قصور إدّونا ملايين ما بتعوّض" .. "ما فيه حد يقدر يعوّضك شرفك.. التعويض من عند ربنا بس". "ده شيء بيقعد جوّه في النفس.. بس الواحد يقول حسبي الله ونعم الوكيل". "الواحد كان يتمنّى الموت والله الواحد كان يتمنّى الموت".
قبل الحرب، كان لدى الفتاة خططها الدراسية والمهنية، ولكنها تعطّلت. وعن علاقاتها بالمجتمع الجديد، بعد حياة مستقرة، تقول مآب: "كلهم بيشوفوني على باب الله، ناس بيحاولوا يغطّوا معايا فلوس الإيجار، البامبرز.. بنقول الرزق من رب العباد.. باقول حد يحنّ عليّا يجيبوا لي البامبرز أو اللبن.. أوقات ناس طيبين يجيبوا رُز وسكّر".
تتابع مُنتهى أخبار الحرب في بلدها بما في ذلك أخبار الانتهاكات الجنسية بحق السودانيات، وتقول إن كثيرات تعرضن لما تعرّضت له خلال هذه الحرب، وإنها -بالرغم من حساسية الأمر- تريد أن يعرف الناس ما حدث، لكنّ الضحايا في الغالب لا يتحدثن بسبب "الشرف".
ربما يكتفين بما قالته مآب، وقد بدت على وجهها صرامة مفاجئة: "الله سامع".
*مُنتهى ومآب وسُندس أسماء مستعارة حفظا للخصوصية
..................................
رابط التحقيق المنشور على موقع مجلة الفراتس:
https://alpheratzmag.com/reports/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%86%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%b3%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%af%d8%a7%d9%86/